فصل: فصل: لا قطع في المجاعة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المغني **


فصل‏:‏

وإن أقر المسروق منه أن المسروق كان ملكا للسارق أو قامت به بينة‏,‏ أو أن له فيه شبهة أو أن المالك أذن له في أخذها أو أنه سبلها‏,‏ لم يقطع لأننا تبينا أنه لم يجب بخلاف ما لو وهبه إياها فإن ذلك لا يمنع كون الحد واجبا وإن أقر له بالعين‏,‏ سقط القطع أيضا لأن إقراره يدل على تقدم ملكه لها فيحتمل أن تكون له حال أخذها والمنصوص عن أحمد أن القطع لا يسقط لأنه ملك تجدد سببه بعد وجوب القطع‏,‏ أشبه الهبة ولأن ذلك حيلة على إسقاط القطع بعد وجوبه فلم يسقط بها كالهبة‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏ولو أخرجها وقيمتها ثلاثة دراهم‏,‏ فلم يقطع حتى نقصت قيمتها قطع‏]‏

وبهذا قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة‏:‏ يسقط القطع لأن النصاب شرط‏,‏ فتعتبر استدامته ولنا قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 38‏]‏‏.‏ ولأنه نقص حدث في العين فلم يمنع القطع كما لو حدث باستعماله‏,‏ والنصاب شرط لوجوب القطع فلا تعتبر استدامته كالحرز وما ذكره يبطل بالحرز فإنه لو زال الحرز أو ملكه‏,‏ لم يسقط عنه القطع وسواء نقصت قيمتها قبل الحكم أو بعده لأن سبب الوجوب السرقة فيعتبر النصاب حينئذ فأما إن نقص النصاب قبل الإخراج لم يجب القطع لعدم الشرط قبل تمام السبب‏,‏ وسواء نقصت بفعله أو بغير فعله وإن وجدت ناقصة ولم يدر هل كانت ناقصة حين السرقة أو حدث النقص بعدها‏؟‏ لم يجب القطع لأن الوجوب لا يثبت مع الشك في شرطه‏,‏ ولأن الأصل عدمه‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏وإذا قطع فإن كانت السرقة باقية ردت إلى مالكها‏,‏ وإن كانت تالفة فعليه قيمتها موسرا كان أو معسرا‏]‏

لا يختلف أهل العلم في وجوب رد العين المسروقة على مالكها إذا كانت باقية‏,‏ فأما إن كانت تالفة فعلى السارق رد قيمتها أو مثلها إن كانت مثلية‏,‏ قطع أو لم يقطع موسرا كان أو معسرا وهذا قول الحسن والنخعي وحماد‏,‏ والبتي والليث والشافعي‏,‏ وإسحاق وأبي ثور وقال الثوري وأبو حنيفة‏:‏ لا يجتمع الغرم والقطع‏,‏ إن غرمها قبل القطع سقط القطع وإن قطع قبل الغرم سقط الغرم وقال عطاء وابن سيرين‏,‏ والشعبي ومكحول‏:‏ لا غرم على السارق إذا قطع ووافقهم مالك في المعسر ووافقنا في الموسر قال أبو حنيفة في رجل سرق مرات‏,‏ ثم قطع‏:‏ يغرم الكل إلا الأخيرة وقال أبو يوسف لا يغرم شيئا لأنه قطع بالكل فلا يغرم شيئا منه‏,‏ كالسرقة الأخيرة واحتج بما روى عن عبد الرحمن بن عوف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال‏:‏ ‏(‏إذا أقيم الحد على السارق‏,‏ فلا غرم عليه‏)‏ ولأن التضمين يقتضي التمليك والملك يمنع القطع فلا يجمع بينهما ولنا أنها عين يجب ضمانها بالرد لو كانت باقية‏,‏ فيجب ضمانها إذا كانت تالفة كما لو لم يقطع ولأن القطع والغرم حقان يجبان لمستحقين فجاز اجتماعهما‏,‏ كالجزاء والقيمة في الصيد الحرمي المملوك وحديثهم يرويه سعد بن إبراهيم عن منصور وسعد بن إبراهيم مجهول قاله ابن المنذر وقال ابن عبد البر‏:‏ الحديث ليس بالقوي ويحتمل أنه أراد‏,‏ ليس عليه أجرة القاطع وما ذكروه فهو بناء على أصولهم ولا نسلمها لهم

فصل‏:‏

وإذا فعل في العين فعلا نقصها به كقطع الثوب ونحوه‏,‏ وجب رده ورد نقصه ووجب القطع وقال أبو حنيفة‏:‏ إن كان نقصا لا يقطع حق المغصوب منه إذا فعله الغاصب رد العين ولا ضمان عليه‏,‏ وإن كان يقطع حق المالك كقطع الثوب وخياطته فلا ضمان عليه‏,‏ ويسقط حق المسروق منه من العين وإن كان زيادة في العين كصبغه أحمر أو أصفر‏,‏ فلا ترد العين ولا يحل له التصرف فيها وقال أبو يوسف ومحمد‏:‏ ترد العين وبني هذا على أصله في أن الغرم يسقط عنه القطع وأما إذا صبغه‏,‏ فقال‏:‏ لا يرده لأنه لو رده لكان شريكا فيه بصبغه ولا يجوز أن يقطع فيما هو شريك فيه وهذا ليس بصحيح لأن صبغه كان قبل القطع فلو كان شريكا بالصبغ لسقط القطع‏,‏ وإن كان يصير شريكا بالرد فالشركة الطارئة بعد القطع لا تؤثر كما لو اشترى نصفه من مالكه بعد القطع وقد سلم أبو حنيفة‏,‏ أنه لو سرق فضة فضربها دراهم قطع‏,‏ ولزمه ردها وقال صاحباه‏:‏ لا يقطع ويسقط حق صاحبها منها بضربها وهذا شيء بنياه على أصولهما في أن تغيير اسمها يزيل ملك صاحبها وأن ملك السارق لها يسقط القطع عنه وهو غير مسلم لهما‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏وإذا أخرج النباش من القبر كفنا قيمته ثلاثة دراهم قطع‏]‏

روي عن ابن الزبير أنه قطع نباشا وبه قال الحسن‏,‏ وعمر بن عبد العزيز وقتادة والشعبي‏,‏ والنخعي وحماد ومالك‏,‏ والشافعي وإسحاق وأبو ثور‏,‏ وابن المنذر وقال أبو حنيفة والثوري‏:‏ لا قطع عليه لأن القبر ليس بحرز لأن الحرز ما يوضع فيه المتاع للحفظ والكفن لا يوضع في القبر لذلك ولأنه ليس بحرز لغيره‏,‏ فلا يكون حرزا له ولأن الكفن لا مالك له لأنه لا يخلو إما أن يكون ملكا للميت أو لوارثه وليس ملكا لواحد منهما لأن الميت لا يملك شيئا‏,‏ ولم يبق أهلا للملك والوارث إنما ملك ما فضل عن حاجة الميت ولأنه لا يجب القطع إلا بمطالبة المالك أو نائبه ولم يوجد ذلك ولنا قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 38‏]‏‏.‏ وهذا سارق‏,‏ فإن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ سارق أمواتنا كسارق أحيائنا وما ذكروه لا يصح فإن الكفن يحتاج إلى تركه في القبر دون غيره ويكتفى به في حرزه‏,‏ ألا ترى أنه لا يترك الميت في غير القبر من غير أن يحفظ كفنه ويترك في القبر وينصرف عنه وقولهم‏:‏ إنه لا مالك له ممنوع بل هو مملوك للميت لأنه كان مالكا له في حياته‏,‏ ولا يزول ملكه إلا عما لا حاجة به إليه ووليه يقوم مقامه في المطالبة كقيام ولى الصبي في الطلب بماله إذا ثبت هذا‏,‏ فلا بد من إخراج الكفن من القبر لأنه الحرز فإن أخرجه من اللحد ووضعه في القبر فلا قطع فيه لأنه لم يخرجه من الحرز فأشبه ما لو نقل المتاع في البيت من جانب إلى جانب ‏(‏فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمى القبر بيتا‏)‏‏.‏

فصل‏:‏

والكفن الذي يقطع بسرقته ما كان مشروعا‏,‏ فإن كفن الرجل في أكثر من ثلاث لفائف أو المرأة في أكثر من خمس فسرق الزائد عن ذلك‏,‏ أو تركه في تابوت فسرق التابوت أو ترك معه طيبا مجموعا‏,‏ أو ذهبا أو فضة أو جواهر‏,‏ لم يقطع بأخذ شيء من ذلك لأنه ليس بكفن مشروع فتركه فيه سفه وتضييع فلا يكون محرزا‏,‏ ولا يقطع سارقه‏.‏

فصل‏:‏

وهل يفتقر في قطع النباش إلى المطالبة‏؟‏ يحتمل وجهين أحدهما‏:‏ يفتقر إلى المطالبة كسائر المسروقات فعلى هذا المطالب الورثة لأنهم يقومون مقام الميت في حقوقه وهذا من حقوقه والثاني‏:‏ لا يفتقر إلى طلب لأن الطلب في السرقة من الأحياء شرع لئلا يكون المسروق مملوكا للسارق وقد يئس من ذلك ها هنا‏.‏

مسألة‏:‏

قال ‏[‏ولا يقطع في محرم ولا في آلة لهو‏]‏

يعني لا يقطع في سرقة محرم كالخمر والخنزير‏,‏ والميتة ونحوها سواء سرقه من مسلم أو ذمي وبهذا قال الشافعي‏,‏ وأبو ثور وأصحاب الرأي وحكي عن عطاء أن سارق خمر الذمي يقطع وإن كان مسلما لأنه مال لهم‏,‏ أشبه ما لو سرق دراهمهم ولنا أنها عين محرمة فلا يقطع بسرقتها كالخنزير ولأن ما لا يقطع بسرقته من مال المسلم‏,‏ لا يقطع بسرقته من مال الذمي كالميتة والدم وما ذكروه ينتقض بالخنزير ولا اعتبار به‏,‏ فإن الاعتبار بحكم الإسلام وهو يجري عليهم دون أحكامهم وهكذا الخلاف معه في الصليب إذا بلغت قيمته مع تأليفه نصابا وأما آلة اللهو كالطنبور والمزمار‏,‏ والشبابة فلا قطع فيه وإن بلغت قيمته مفصلا نصابا وبهذا قال أبو حنيفة وقال أصحاب الشافعي‏:‏ إن كانت قيمته بعد زوال تأليفه نصابا‏,‏ ففيه القطع وإلا فلا لأنه سرق ما قيمته نصاب لا شبهة له فيه‏,‏ من حرز مثله وهو من أهل القطع فوجب قطعه‏,‏ كما لو كان ذهبا مكسورا ولنا أنه آلة للمعصية بالإجماع فلم يقطع بسرقته كالخمر ولأن له حقا في أخذها لكسرها‏,‏ فكان ذلك شبهة مانعة من القطع كاستحقاقه مال ولده فإن كانت عليه حلية تبلغ نصابا فلا قطع فيه أيضا‏,‏ في قياس قول أبي بكر لأنه متصل بما لا قطع فيه فأشبه الخشب والأوتار وقال القاضي‏:‏ فيه القطع وهو مذهب الشافعي لأنه سرق نصابا من حرزه فأشبه المنفرد‏.‏

فصل‏:‏

وإن سرق صليبا من ذهب أو فضة‏,‏ يبلغ نصابا متصلا فقال القاضي‏:‏ لا قطع فيه وهو قول أبي حنيفة وقال أبو الخطاب‏:‏ يقطع سارقه وهو مذهب الشافعي ووجه المذهبين ما تقدم والفرق بين هذه المسألة‏:‏ وبين التي قبلها أن التي قبلها له كسره بحيث لا تبقى له قيمة تبلغ نصابا‏,‏ وها هنا لو كسر الذهب والفضة بكل وجه لم تنقص قيمته عن النصاب ولأن الذهب والفضة جوهرهما غالب على الصنعة المحرمة فكانت الصناعة فيهما مغمورة بالنسبة إلى قيمة جوهرهما وغيرهما بخلافهما‏,‏ فتكون الصناعة غالبة عليه فيكون تابعا للصناعة المحرمة فأشبه الإناء ولو سرق إناء من ذهب أو فضة‏,‏ قيمته نصاب إذا كان متكسرا فعليه القطع لأنه غير مجمع على تحريمه وقيمته بدون الصناعة المختلف فيها نصاب وإن سرق إناء معدا لحمل الخمر‏,‏ ووضعه فيه ففيه القطع لأن الإناء لا تحريم فيه وإنما يحرم عليه بنيته وقصده‏,‏ فأشبه ما لو سرق سكينا معدة لذبح الخنازير أو سيفا يعده لقطع الطريق وإن سرق إناء فيه خمر يبلغ نصابا فقال أبو الخطاب‏:‏ يقطع وهو مذهب الشافعي لأنه سرق نصابا من حرز مثله‏,‏ لا شبهة له فيه وقال غيره من أصحابنا‏:‏ لا يقطع لأنه تبع لما لا قطع فيه فأشبه ما لو سرق مشتركا بينه وبين غيره قال أبو إسحاق بن شاقلا‏:‏ ولو سرق إداوة أو إناء فيه ماء فلا قطع فيه كذلك ولو سرق منديلا في طرفه دينار مشدود‏,‏ فعلم به فعليه القطع وإن لم يعلم به‏,‏ فلا قطع فيه لأنه لم يقصد سرقته فأشبه ما لو تعلق بثوبه وقال الشافعي‏:‏ يقطع لأنه سرق نصابا فأشبه ما لو سرق ما لم يعلم أن قيمته نصاب‏,‏ والفرق بينهما أنه علم بالمسروق ها هنا وقصد سرقته بخلاف الدينار‏,‏ فإنه لم يرده ولم يقصد أخذه فلا يؤاخذ به بإيجاب الحد عليه‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏ولا يقطع الوالد فيما أخذ من مال ولده لأنه أخذ ما له أخذه‏,‏ ولا الوالدة فيما أخذت من مال ولدها ولا العبد فيما سرق من مال سيده‏]‏

وجملته أن الوالد لا يقطع بالسرقة من مال ولده وإن سفل وسواء في ذلك الأب والأم والابن والبنت‏,‏ والجد والجدة من قبل الأب والأم وهذا قول عامة أهل العلم منهم مالك والثوري‏,‏ والشافعي وأصحاب الرأي وقال أبو ثور وابن المنذر‏:‏ القطع على كل سارق‏,‏ بظاهر الكتاب إلا أن يجمعوا على شيء فيستثنى ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ‏:‏ ‏(‏أنت ومالك لأبيك‏)‏ وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - ‏:‏ ‏(‏إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه‏)‏ وفي لفظ‏:‏ ‏"‏ فكلوا من كسب أولادكم ‏"‏ ولا يجوز قطع الإنسان بأخذ ما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأخذه‏,‏ ولا أخذ ما جعله النبي - صلى الله عليه وسلم - مالا له مضافا إليه ولأن الحدود تدرأ بالشبهات وأعظم الشبهات أخذ الرجل من مال جعله الشرع له وأمره بأخذه وأكله‏.‏

وأما العبد إذا سرق من مال سيده‏,‏ فلا قطع عليه في قولهم جميعا‏,‏ ووافقهم أبو ثور فيه وحكي عن داود أنه يقطع لعموم الآية ولنا ما روي السائب بن يزيد قال‏:‏ شهدت عمر بن الخطاب وقد جاءه عبد الله بن عمرو بن الحضرمي بغلام له فقال‏:‏ إن غلامي هذا سرق‏,‏ فاقطع يده فقال عمر‏:‏ ما سرق‏؟‏ قال‏:‏ سرق مرآة امرأتي ثمنها ستون درهما فقال‏:‏ أرسله لا قطع عليه‏,‏ خادمكم أخذ متاعكم ولكنه لو سرق من غيره قطع وفي لفظ قال‏:‏ مالكم سرق بعضه بعضا لا قطع عليه رواه سعيد وعن ابن مسعود أن رجلا جاءه‏,‏ فقال‏:‏ عبد لي سرق قباء لعبد لي آخر فقال‏:‏ لا قطع مالك سرق مالك وهذه قضايا تشتهر ولم يخالفها أحد‏,‏ فتكون إجماعا وهذا يخص عموم الآية ولأن هذا إجماع من أهل العلم لأنه قول من سمينا من الأئمة ولم يخالفهم في عصرهم أحد‏,‏ فلا يجوز خلافه بقول من بعدهم كما لا يجوز ترك إجماع الصحابة بقول واحد من التابعين‏.‏

فصل‏:‏

والمدبر وأم الولد‏,‏ والمكاتب كالقن في هذا وبه قال الثوري وإسحاق‏,‏ وأبو ثور وأصحاب الرأي ولا يقطع سيد المكاتب بسرقة ماله لأنه عبد ما بقي عليه درهم وكل من لا يقطع الإنسان بسرقة ماله لا يقطع عبده بسرقة ماله‏,‏ كآبائه وأولاده وغيرهم وهذا قول أصحاب الرأي‏,‏ والشافعي كل على أصله وقال أبو ثور‏:‏ يقطع بسرقة مال من عدا سيده ونحوه قول مالك وابن المنذر ولنا حديث عمر رضي الله عنه ولأن مالهم ينزل منزلة ماله في قطعه‏,‏ فكذلك في قطع عبده‏.‏

فصل‏:‏

ولا يقطع الابن وإن سفل بسرقة مال والده وإن علا وبه قال الحسن والشافعي‏,‏ وإسحاق والثوري وأصحاب الرأي وظاهر قول الخرقي أنه يقطع لأنه لم يذكره فيمن لا قطع عليه وهو قول مالك‏,‏ وأبي ثور وابن المنذر لظاهر الكتاب ولأنه يحد بالزنا بجاريته ويقاد بقتله‏,‏ فيقطع بسرقة ماله كالأجنبي ووجه الأول‏:‏ أن بينهما قرابة تمنع قبول شهادة أحدهما لصاحبه فلم يقطع بسرقة ماله كالأب ولأن النفقة تجب في مال الأب لابنه حفظا له‏,‏ فلا يجوز إتلافه حفظا للمال وأما الزنا بجاريته فيجب به الحد لأنه لا شبهة له فيها‏,‏ بخلاف المال‏.‏

فصل‏:‏

فأما سائر الأقارب كالإخوة والأخوات ومن عداهم‏,‏ فيقطع بسرقة مالهم ويقطعون بسرقة ماله وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة‏:‏ لا يقطع بالسرقة من ذي رحم لأنها قرابة تمنع النكاح وتبيح النظر‏,‏ وتوجب النفقة أشبه قرابة الولادة ولنا أنها قرابة لا تمنع الشهادة فلا تمنع القطع كقرابة غيره‏,‏ وفارق قرابة الولادة بهذا‏.‏

فصل‏:‏

وإن سرق أحد الزوجين من مال الآخر فإن كان مما ليس محرزا عنه فلا قطع فيه‏,‏ وإن سرق مما أحرزه عنه ففيه روايتان إحداهما‏:‏ لا قطع عليه وهي اختيار أبي بكر ومذهب أبي حنيفة لقول عمر رضي الله عنه لعبد الله بن عمرو بن الحضرمي حين قال له‏:‏ إن غلامي سرق مرآة امرأتي‏:‏ أرسله‏,‏ لا قطع عليه خادمكم أخذ متاعكم وإذا لم يقطع عبده بسرقة مالها فهو أولى ولأن كل واحد منهما يرث صاحبه بغير حجب‏,‏ ولا تقبل شهادته له ويتبسط في مال الآخر عادة فأشبه الوالد والولد والثانية‏:‏ يقطع وهو مذهب مالك‏,‏ وأبي ثور وابن المنذر وهو ظاهر كلام الخرقي لعموم الآية ولأنه سرق مالا محرزا عنه لا شبهة له فيه‏,‏ أشبه الأجنبي وللشافعي كالروايتين وقول ثالث‏:‏ أن الزوج يقطع بسرقة مال الزوجة لأنه لا حق له فيه ولا تقطع بسرقة ماله لأن لها النفقة فيه‏.‏

فصل‏:‏

ولا قطع على من سرق من بيت المال إذا كان مسلما ويروى ذلك عن عمر‏,‏ وعلي رضي الله عنهما وبه قال الشعبي والنخعي والحكم‏,‏ والشافعي وأصحاب الرأي وقال حماد ومالك‏,‏ وابن المنذر‏:‏ يقطع لظاهر الكتاب ولنا ما روي ابن ماجه بإسناده عن ابن عباس ‏(‏أن عبدا من رقيق الخمس سرق من الخمس‏,‏ فرفع ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يقطعه وقال‏:‏ مال الله سرق بعضه بعضا‏)‏ ويروى ذلك عن عمر رضي الله عنه وسأل ابن مسعود عمر عمن سرق من بيت المال فقال‏:‏ أرسله‏,‏ فما من أحد إلا وله في هذا المال حق وقال سعيد‏:‏ حدثنا هشيم أخبرنا مغيرة عن الشعبي‏,‏ عن علي ـ رضي الله عنه ـ أنه كان يقول‏:‏ ليس على من سرق من بيت المال قطع ولأن له في المال حقا فيكون شبهة تمنع وجوب القطع كما لو سرق من مال له فيه شركة ومن سرق من الغنيمة ممن له فيها حق‏,‏ أو لولده أو لسيده أو لمن لا يقطع بسرقة ماله‏,‏ لم يقطع لذلك وإن لم يكن من الغانمين ولا أحدا من هؤلاء الذين ذكرنا فسرق منها قبل إخراج الخمس‏,‏ لم يقطع لأن له في الخمس حقا وإن أخرج الخمس فسرق من الأربعة الأخماس قطع‏,‏ وإن سرق من الخمس لم يقطع وإن قسم الخمس خمسة أقسام فسرق من خمس الله تعالى ورسوله‏,‏ لم يقطع وإن سرق من غيره قطع‏,‏ إلا أن يكون من أهل ذلك الخمس‏.‏

فصل‏:‏

وإن سرق من الوقف أو من غلته وكان من الموقوف عليهم‏,‏ مثل أن يكون مسكينا سرق من وقف المساكين أو من قوم معينين عليهم وقف فلا قطع عليه لأنه شريك وإن كان من غيرهم‏,‏ قطع لأنه لا حق له فيه فإن قيل‏:‏ فقد قلتم‏:‏ لا يقطع بالسرقة من بيت المال من غير تفريق بين غني وفقير فلم فرقتم ها هنا‏؟‏ قلنا‏:‏ لأن للغني في بيت المال حقا ولهذا قال عمر‏,‏ رضي الله عنه‏:‏ ما من أحد إلا وله في هذا المال حق بخلاف وقف المساكين فإنه لا حق للغني فيه‏.‏

فصل‏:‏

قال أحمد‏:‏ لا قطع في المجاعة يعنى أن المحتاج إذا سرق ما يأكله فلا قطع عليه لأنه كالمضطر وروى الجوزجاني‏,‏ عن عمر أنه قال‏:‏ لا قطع في عام سنة وقال‏:‏ سألت أحمد عنه فقلت‏:‏ تقول به‏؟‏ قال‏:‏ أي لعمري‏,‏ لا أقطعه إذا حملته الحاجة والناس في شدة ومجاعة وعن الأوزاعي مثل ذلك وهذا محمول على من لا يجد ما يشتريه أو لا يجد ما يشتري به‏,‏ فإن له شبهة في أخذ ما يأكله أو ما يشتري به ما يأكله وقد روى عن عمر ـ رضي الله عنه ـ أن غلمان حاطب بن أبي بلتعة انتحروا ناقة للمزني‏,‏ فأمر عمر بقطعهم ثم قال لحاطب‏:‏ إني أراك تجيعهم فدرأ عنهم القطع لما ظنه يجيعهم فأما الواجد لما يأكله أو الواجد لما يشتري به وما يشتريه‏,‏ فعليه القطع وإن كان بالثمن الغالي ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي ولا قطع على المرأة إذا منعها الزوج قدر كفايتها‏,‏ أو كفاية ولدها فأخذت من ماله سواء أخذت قدر ذلك أو أكثر منه لأنها تستحق قدر ذلك‏,‏ فالزائد يكون مشتركا بما يستحق أخذه ولا على الضيف إذا منع قراه فأخذ أيضا من مال المضيف لذلك‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏ولا يقطع إلا بشهادة عدلين‏,‏ أو اعتراف مرتين‏]‏

وجملة ذلك أن القطع إنما يجب بأحد أمرين بينة أو إقرار لا غير‏,‏ فأما البينة فيشترط فيها أن يكونا رجلين مسلمين حرين عدلين سواء كان السارق مسلما أو ذميا‏,‏ وقد ذكرنا ذلك في الشهادة في الزنا بما أغنى عن إعادته ها هنا ويشترط أن يصفا السرقة والحرز وجنس النصاب‏,‏ وقدره ليزول الاختلاف فيه فيقولان‏:‏ نشهد أن هذا سرق كذا‏,‏ قيمته كذا من حرز ويصفان الحرز وإن كان المسروق منه غائبا فحضر وكيله‏,‏ وطالب بالسرقة احتاج الشاهدان أن يرفعا في نسبه فيقولان‏:‏ من حرز فلان بن فلان بن فلان‏,‏ بحيث يتميز من غيره فإذا اجتمعت هذه الشروط وجب القطع في قول عامتهم قال ابن المنذر‏:‏ أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم‏,‏ على أن قطع السارق يجب إذا شهد بالسرقة شاهدان حران مسلمان ووصفا ما يوجب القطع وإذا وجب القطع بشهادتهما‏,‏ لم يسقط بغيبتهما ولا موتهما على ما مضى في الشهادة بالزنا وإذا شهدا بسرقة مال غائب‏,‏ فإن كان له وكيل حاضر فطالب به قطع السارق‏,‏ وإلا فلا‏.‏

فصل‏:‏

وإذا اختلف الشاهدان في الوقت أو المكان أو المسروق‏,‏ فشهد أحدهما أنه سرق يوم الخميس والآخر أنه سرق يوم الجمعة أو شهد أحدهما أنه سرق من هذا البيت‏,‏ وشهد الآخر أنه سرق من هذا البيت أو قال أحدهما‏:‏ سرق ثورا وقال الآخر‏:‏ سرق بقرة أو قال‏:‏ سرق ثورا وقال الآخر‏:‏ سرق حمارا لم يقطع في قولهم جميعا وبه قال الشافعي وأبو ثور‏,‏ وأصحاب الرأي وإن قال أحدهما‏:‏ سرق ثوبا أبيض وقال الآخر‏:‏ أسود أو قال أحدهما‏:‏ سرق هرويا فقال الآخر‏:‏ مرويا لم يقطع أيضا وبه قال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر لأنهما لم يتفقا على الشهادة بشيء واحد‏,‏ فأشبه ما لو اختلفا في الذكورية والأنوثية وقال أبو الخطاب‏:‏ يقطع وهو قول أبي حنيفة وأصحاب الرأي لأن الاختلاف لم يرجع إلى نفس الشهادة ويحتمل أن أحدهما غلب على ظنه أنه هروي‏,‏ والآخر أنه مروي أو كان الثوب فيه سواد وبياض قال ابن المنذر‏:‏ اللون أقرب إلى الظهور من الذكورية والأنوثية فإذا كان اختلافهما فيما يخفى يبطل شهادتهما‏,‏ ففيما يظهر أولى ويحتمل أن أحدهما ظن المسروق ذكرا وظنه الآخر أنثى وقد أوجب هذا رد شهادتهما‏,‏ فكذلك ها هنا الثاني‏:‏ الاعتراف ويشترط فيه أن يعترف مرتين روى ذلك عن على رضي الله عنه وبه قال ابن أبى ليلى وأبو يوسف‏,‏ وزفر وابن شبرمة وقال عطاء والثوري‏,‏ وأبو حنيفة والشافعي ومحمد بن الحسن‏:‏ يقطع باعتراف مرة لأنه حق يثبت بالإقرار‏,‏ فلم يعتبر فيه التكرار كحق الآدمي ولنا ما روى أبو داود بإسناده عن أبي أمية المخزومي ‏(‏أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى بلص قد اعترف‏,‏ فقال له‏:‏ ما إخالك سرقت قال‏:‏ بلى فأعاد عليه مرتين أو ثلاثا فأمر به فقطع‏)‏ ولو وجب القطع بأول مرة‏,‏ لما أخره وروى سعيد عن هشيم وسفيان‏,‏ وأبي الأحوص وأبي معاوية عن الأعمش عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه‏,‏ قال شهدت عليا وأتاه رجل فأقر بالسرقة‏,‏ فرده وفي لفظ‏:‏ فانتهره وفي لفظ‏:‏ فسكت عنه وقال غير هؤلاء‏:‏ فطرده ثم عاد بعد ذلك فأقر‏,‏ فقال له على‏:‏ شهدت على نفسك مرتين فأمر به فقطع وفي لفظ‏:‏ قد أقررت على نفسك مرتين ومثل هذا يشتهر‏,‏ فلم ينكر ولأنه يتضمن إتلافا في حد فكان من شرطه التكرار كحد الزنا ولأنه أحد حجتي القطع‏,‏ فيعتبر فيه التكرار كالشهادة وقياسهم ينتقض بحد الزنا عند من اعتبر التكرار ويفارق حق الآدمي لأن حقه مبني على الشح‏,‏ والتضييق ولا يقبل رجوعه عنه بخلاف مسألتنا‏.‏

فصل‏:‏

ويعتبر أن يذكر في إقراره شروط السرقة‏,‏ من النصاب والحرز وإخراجه منه‏.‏

فصل‏:‏

والحر والعبد في هذا سواء نص عليه أحمد وذلك لعموم النص فيهما ولما روى الأعمش‏,‏ عن القاسم عن أبيه‏:‏ أن عليا قطع عبدا أقر عنده بالسرقة وفي رواية قال‏:‏ كان عبدا يعني الذي قطعه على ويعتبر أن يقر مرتين وروى مهنا عن أحمد‏:‏ إذا أقر العبد أربع مرات أنه سرق‏,‏ قطع وظاهر هذا أنه اعتبر إقراره أربع مرات ليكون على النصف من الحر والأول أصح لخبر على ولأنه إقرار بحد فاستوى في عدده الحر والعبد‏,‏ كسائر الحدود‏.‏

مسألة‏:‏

قال‏:‏ ‏[‏ولا ينزع عن إقراره حتى يقطع‏]‏

هذا قول أكثر الفقهاء وقال ابن أبى ليلى وداود‏:‏ لا يقبل رجوعه لأنه لو أقر لآدمى بقصاص أو حق لم يقبل رجوعه عنه ولنا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - للسارق‏:‏ ‏"‏ ما إخالك سرقت عرض له ليرجع ولأنه حد لله تعالى‏,‏ ثبت بالاعتراف فقبل رجوعه عنه كحد الزنا ولأن الحدود تدرأ بالشبهات‏,‏ ورجوعه عنه شبهة لاحتمال أن يكون كذب على نفسه في اعترافه ولأنه أحد حجتي القطع فيبطل بالرجوع عنه‏,‏ كالشهادة ولأن حجة القطع زالت قبل استيفائه فسقط كما لو رجع الشهود وفارق حق الآدمي‏,‏ فإنه مبني على الشح والضيق ولو رجع الشهود عن الشهادة بعد الحكم لم يبطل برجوعهم‏,‏ ولم يمنع استيفاءها إذا ثبت هذا فإنه إذا رجع قبل القطع سقط القطع‏,‏ ولم يسقط غرم المسروق لأنه حق آدمي ولو أقر مرة واحدة لزمه غرامة المسروق دون القطع وإن كان رجوعه وقد قطع بعض المفصل‏,‏ لم يتممه إن كان يرجى برؤه لكونه قطع قليلا وإن قطع الأكثر فالمقطوع بالخيار‏,‏ إن شاء تركه وإن شاء قطعه ليستريح من تعليق كفه ولا يلزم القاطع قطعه لأن قطعه تداو وليس بحد‏.‏